حكاية خارطة
كتاب “حِكاية خارطة” عملٌ أدبيّ ينتمي إلى الأدب المقاوم, يستحضر الوجع الفلسطيني بلغة مشحونة بالرمز، محمولة على إيقاعٍ شعريٍّ عالٍ يزاوج بين النثر العاطفي والخطاب الوطني. ومن خلال قراءة النص يتّضح أنّ الكاتبة جنى بن عودة استطاعت أن تخلق نصًّا يراوح بين التوثيق الوجداني والاستعارة الفنية، بحيث يصبح الألم الفلسطيني مادةً جمالية، لا مجرّد صرخة.
العمل يبدأ من نداء الانتماء، “حنّوا هنا باقون”، حيث تنسج الكاتبة خيوط الذاكرة على جدران الركام، مستثمرةً صورًا مكرّرة في الأدب الفلسطيني (الزيتونة، الركام، الدماء الطاهرة) لكنها تُعيد توظيفها ضمن بناء لغوي مشحون بالعاطفة، يقترب من الإنشاد الجمعي أكثر من السرد الفردي. في الصفحات الأولى يخيَّل للقارئ أنه أمام مرثية جماعية، غير أنّ النص يتحوّل تدريجيًا إلى سردٍ رمزيٍّ متعدّد الأصوات يضع الفرد داخل الجرح الجمعي — من محمد الشهيد، إلى الأسير سامي، إلى الطفلة أمل — فيسير النصّ كموكبٍ طويل من الذاكرة، لا يعرف الانتهاء.
تُحسن الكاتبة الإمساك بإيقاع التكرار، فتجعل من الجملة القصيرة طلقةً لغويةً تقتحم القارئ. “قصف. إسعاف. صراخ. دم.” هذا الاقتصاد في العبارة يوازي العنف المادي الذي تصوّره، فيحوّل الصفحة إلى مشهدٍ سينمائيٍّ صامت لا يُسمع فيه سوى ارتجاف القلوب. في المقابل، حين تنتقل إلى المشاهد التأملية — مثل وصف الفجر في جنين، أو الحنين في المخيم — تنفتح اللغة على نعومةٍ مدهشة، فيها لمسة صوفية تجعل الوجع طقسًا مقدّسًا. بهذا التوازن بين الصرخة والهمس، تُثبت الكاتبة وعيًا بلاغيًا ناضجًا يُحسن إدارة العاطفة دون ابتذال.
السرد في “حكاية خارطة” لا يقوم على تسلسلٍ زمنيٍّ تقليدي، بل على التداعي الحرّ؛ فكلّ فصلٍ ينهض من رماد الفصل السابق ليكمّل دائرة الحكاية الكبرى: الوطن ككائنٍ ينزف ولا يموت. الأم التي تبحث عن ابنها الشهيد، الأسير الذي يورّث الأمل عبر جدار الزنزانة، الطفلة اللاجئة التي تكتب كي لا تُمحى ذاكرتها — جميعهم وجوهٌ متعدّدة لوطنٍ واحد، يكتب ذاته من تحت الحصار. ولعلّ هذه البنية المقطعية تجعل الكتاب أقرب إلى ملحمة شعرية معاصرة منه إلى رواية، فهو لا يروي حدثًا واحدًا بل يحافظ على نَفَس الأسطورة الجمعية، حيث الشهادة ليست موتًا بل عبورٌ نحو الخلود.
المؤلف: جنى بني عودة
سنة النشر: 2025
التصنيف: الرواية
الناشر: دار أروقة الفكر للنشر والتوزيع (عمّان)